كمال الدين دميري
187
حياة الحيوان الكبرى
ورأت يداه عظيم ما جنتا ففررن ذي شرقا وذي غربا وأمال نحو الصدر منه فما ليلوم في أفعاله القلبا فكأنه كان لسان حاله . ومن شأنها ، أنها إذا لسعت الإنسان ، فرت فرار مسيء يخشى العقاب . قال الجاحظ : ومن عجيب أمرها أنها لا تسبح ولا تتحرك ، إذا ألقيت في الماء سواء كان الماء ساكنا ، أو جاريا ، قال : والعقارب تخرج من بيوتها للجراد ، لأنها حريصة على أكله ، وطريق صيدها أن تشبك الجرادة في عود ، ثم تدخل في جحرها ، فإذا عاينتها العقرب تعلقت فيها . ومتى أدخل الكراث في جحرها وأخرج ، فإنها تتبعه أيضا . وربما ضربت الحجر والمدر ، ومن أحسن ما قيل في ذلك : رأيت على صخرة عقربا وقد جعلت ضربها ديدنا فقلت لها : إنها صخرة وطبعك من طبعها ألينا فقالت : صدقت ولكنني أريد أعرفها من أنا والعقارب القاتلة تكون في موضعين بشهرزور وبعسكر مكرم ، وهي جرارات تلسع فتقتل كما تقدم . وربما تناثر لحم من لسعته أو عفن لحمه واسترخى ، حتى إنه لا يدنو منه أحد إلا وهو يمسك أنفه مخافة أعدائه . ومن لطيف أمرها أنها مع صغرها تقتل الفيل والبعير بلسعها . ومن نوع العقارب الطيارة ، قال القزويني والجاحظ : وهذا النوع يقتل غالبا . قال الرافعي : وحكى العبادي وجها أنه يصح بيع النمل بنصيبين ، لأنه يعالج به العقارب الطيارة ، التي بها . وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى ، هذا أيضا في باب النون ، في حكم النمل ولعل مراده أن النمل يعمل مع أدوية ، ويعالج بها لدغتها . وبنصيبين عقارب قتالة ، يقال إن أصلها من شهرزور ، وإن بعض الملوك حاصر نصيبين ، فأتى بالعقارب منها وجعلها في كيزان الفقاع ، ورمى بها في المجانيق . قال الجاحظ : وكان في دار نصر بن حجاج السلمي « 1 » عقارب ، إذا لسعت قتلت ، فدب ضيف لهم ، إلى بعض أهل الدار فضربته عقرب في مذاكيره فقال « 2 » نصر يعرض به : وداري إذا نام سكانها أقام الحدود بها العقرب إذا غفل الناس عن دينهم فإن عقاربها تضرب فلا تأمنن سرى عقرب بليل إذا أذنب المذنب فدخل حوالي الدار وقال : هذه عقارب تسقى من أسود سالخ ، ونظر إلى موضع في الدار ، وقال : احفروا ههنا ، فحفروا فوجدوا أسودين : ذكرا وأنثى .
--> « 1 » ابن حجّاج : نصر بن حجّاج بن علاط السلمي شاعر من أهل المدينة ، كان وسيما جميلا يستهوي النساء ، عاش زمن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه . « 2 » الحيوان للجاحظ : 4 / 218 .